مرحلة ملتبسة..!!



بقلم : راكان السعايدة

في الفترة الراهنة، مرحلة التباس سياسي واجتماعي، يسيطر فيها مزاج متقلب وحالة من عدم اليقين على غالبية الناس.
هذا مخاض مردُّه تحديات اقتصادية داخلية صعبة، وتزداد بفعل الإخفاقات المحلية، ومؤثرات خارجية محمولة على أجندات متضادة مع المصالح الوطنية.
وكذلك ظروف سياسية وأمنية تعيشها المنطقة والإقليم، وهي ظروف، بلا شك، تستهدف إعادة صياغتهما من جديد، جغرافيا وديموغرافيا، ولهذه انعكاساتها الأكيدة على الأردن، وأي نظرة عميقة إلى طبيعتها سيتضح أنها ليست كلها في صالحه، إن لم تكن، بالكلية، ضده.
من يعتقد أن كل هذه الظروف، الداخلية والخارجية، وما تجلبه أو تفرضه من تعقيدات ومخاطر، هي نتاج موضوعي وطبيعي لتطور التاريخ، سيكون واهما، فالأيدي الخفية، لا بد، موجودة، إما تلعب أو متحفزة لاقتناص اللحظة المناسبة للّعب.
فالدول، كبيرها وصغيرها، تتحرك، أفقيا وعاموديا، ومحليا وإقليميا ودوليا، تبعا لمصالحها ولا تلقي بالا لمصالح الآخرين، وهي أحيانا تتقاطع مع غيرها في موقف ما أو اتجاه ما، بما يخدم أجندتها أولا، وليس ضروريا تحقُّق مصالح حليفها، والحلفاء يتبدلون أحيانا، تبعا لتبدل المصالح.
في الأردن، ليس لنا حلفاء حقيقيون وراسخون، يمكن الاتكاء عليهم في مواجهة ظروف الداخل والاستحقاقات الإقليمية والدولية، أو في أحسن الأحوال ليسوا حاضرين دوما للمساعدة ورفع قدرات الدولة على مواجهة الاستحقاقات.
ليس لنا حلفاء، ليس لأننا لا نعرف كيف نحقق ذلك أو كيف ننسقه، بل لأن تقديرنا لمصالحنا مختلف، بصورة شبه كلية، عن مصالح الحلفاء المفترضين، وهذا التقدير، مع ما يفرضه من سياسات وإجراءات، قد يتصادم مع مصالح الآخرين، ويؤدي إلى ردود معاكسة من طرفهم.
وأي اعتقاد أن الدول لا تتدخل في شؤون بعضها البعض، اعتقاد لا محل له من الواقع، فالتدخل ليس شرطا أن يكون سافرا يمكن رصده، بل يأخذ أشكالا مموهة ومتحايلة، واليوم أدوات التدخل أكثر تعقيدا من ذي قبل، تديرها عقليات تتوافر لها منصات وإمكانات إعلامية واقتصادية ومداخل سياسية واجتماعية.
الهدف المركزي لها، خلق مناخات داخل أي من الدول المستهدفة لتدب فيها فوضى تمهد إما لتفكيكها أو لإخضاعها؛ تفكيكها لإعادة تركيبها بشكل مغاير لوجودها، أو إخضاعها لإجبارها على تبني سياسات معينة حتى لو كانت ضد مصالحها وطبيعة وجودها وتكوينها.
الأردن ليس استثناء، ولا فريدا متفردا عن سواه، وضعته الجغرافيا في بقعة صعبة ومعقدة، فيها مصالح متشابكة بين أطراف إقليمية ودولية، وربما يكون الأردن دولة الإقليم الوحيدة التي تواجه تحديات استثنائية لا تواجهها أي دولة في الإقليم.
لذلك من الأكيد، أن المخاض الذي نعيشه يحتاج يقظة وحذرا، دولة وشعبا، فالخصم قد يتسلل إلى وعينا ويعيد صياغته ويتلاعب به، بذكاء ودهاء وخبث، وبأدوات وأساليب لا يمكن لمسها، فهو يتسلل بنعومة وخفة، لا يريد أن يلحظ فعله أحد، فهو حريص أن لا يُكشف حتى لا تكون مقاومته ممكنة ومتاحة.

يتسلل عبر الإعلام الخارجي، وعبر "التواصل الاجتماعي"، وعبر أدوات في الداخل، مهمتها أن تخلق مناخا سلبيا وعدائيا وتسهم في كسر الحواجز الأخلاقية والقيمية والقانونية التي من شأنها خلق وتعزيز الفوضى وإثارة الشك والريبة بين كل المكونات، وضرب الثقة بينها، وتأليبها على بعضها البعض.
والحال هذه، ماذا علينا أن نفعل؟
أولى الخطوات تكون باستعادة الثقة بين الرسمي والشعبي، عبر المكاشفة والمصارحة، والمعالجات العلنية لكل مشاكل البلد، وعبر طبقة من المسؤولين الموثوقين الذين لديهم مصداقية، يتوافرون على الكفاءة والجرأة في اتخاذ القرار، فالمسؤول الجبان سيكون عبئا ومصدر كوارث.
والمصارحة والمكاشفة، وبكل شفافية، تؤسس للمصداقية، وهذه تؤسس لموقف شعبي داعم ومساند للسياسات العامة، واتجاهات الدولة، فالناس تريد أن تثق بمستويات القرار وأصحاب المسؤولية، كمقدمة منطقية تسبق مشاركتهم في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية، وتحمل أكلافها.
بناء هذه الثقة مسؤولية الدولة أولا، وهي مهمة ليست سهلة، ولا يمكن تحقيقها في يوم وليلة، لكن مباشرتها والعمل عليها يعطي الناس مؤشرا إيجابيا، ويدفعهم إلى إعادة التفكير وتقييم مواقفهم وسلوكهم، وهذه تؤدي إلى تراجع حالة الارتباك العام وتجفف أسباب حدوث ثغرات كبيرة وكثيرة في جدار الوطن ونسيجه ووعي مكوناته.
وسد الثغرات، وتقليص الشكوك، ورفع مستوى الثقة، سيدفع الجميع إلى خطوة أخرى أساسية، وهي التنبه إلى الرسائل السلبية عبر الإعلام الخارجي، ومنصات التواصل الاجتماعي، والطابور الخامس، والأيدي الخفية، والانخراط في مقاومتها وكشفها وفضح نواياها وأهدافها الخبيثة.
وهذا يحتاج ماكينة سياسية وإعلامية، فعالة ومرنة ومتنوعة القدرات، وبإمكانها إبداع أساليب ومضامين ذكية، مصممة ومنسقة، لتحمي وعي الناس، وتحول دون التلاعب بقناعاتهم وأفكارهم واتجاهاتهم.
ومن شأن هذا السياق، إن مضى، أن يجعل الناس تبادر ذاتيا للصمود والتصدي للأخطار والمؤامرات، ويجعلها حريصة على وحدة وقوة نسيج مكونات الدولة، وصلابة مواقفها.
وكذلك يحفزها إلى مواجهة كل ما من شأنه إشاعة الفوضى، بالأكاذيب والافتراءات والشائعات والإشاعات، المصممة بطريقة محكمة لاستهداف النسيج الوطني وتماسك الدولة ورموزها ورمزية كل شيء فيها.
نعم، إن إحداث الفرق في الواقع الوطني ليس أمرا سهلا، والناس متعبة ومحبطة، لكننا لا نملك ترف الوقت، وترف النظر إلى الأشياء تتداعى من حولنا، وترف ترك الأجندات تتلاعب بنا، وترف استسهال إطلاق آراء انفعالية لا يحكمها منطق، فتكبر كرة اللهب دون أن نشعر.

تعليقات